أحمد مصطفى المراغي
68
تفسير المراغي
وبعد أن خوفهم العذاب الدنيوي خوفهم العذاب الأخروى فقال : ( وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ) أي إني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة حين ينادى بعضكم بعضا ، ليستغيث به من شدة الهول ، أو حين ينادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ، وينادى « أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ قالُوا نَعَمْ » وينادى « أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ » . يوم تولون مدبرين هربا من زفير النار وشهيقها ، فلا يجديكم ذلك شيئا ، ولا تجدون من يعصمكم من العذاب ، فتردّون إليه وينالكم منه ما قدّر لكم وكتب عليكم . ثم نبه إلى شدة ضلالتهم وعظيم جهالتهم فقال : ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) أي ومن يخذله اللّه ولا يلهمه رشده فما له هاد يهديه إلى طريق النجاة ويوفقه إلى الخلاص . وفي هذا إيماء إلى أنه يئس من قبولهم نصحه . ثم وبخهم بأنهم ورثوا التكذيب بالرسل من آبائهم الأولين ، وأسلافهم الغابرين فقال : ( وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ) أي ولقد جاء آباءكم يوسف من قبل موسى بالآيات الواضحات ، والمعجزات الباهرات ، فلم يزالوا في ريب من أمره ، وشك من صدقه ، فلم يؤمنوا به ، حتى إذا مات قالوا : لن يبعث اللّه رسولا من بعده يدعو إليه ويحذّر بأسه ، ويخوّف من عقابه ، فالتكذيب متوارث ، والعناد قديم ، والريب دأب آبائكم الغابرين ، وقد نسب تكذيب الآباء إليهم ، لما تقدم من أن الأمم متكافلة فيما بينها ، فينسب ما حدث من بعضها إلى جميعها ، إذا تواطئوا واتفقوا عليه كما جاء في قصص